محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

8

كشف الأسرار النورانية القرآنية

نقول : حيث إن المتر يساوي مائة ألف متر فالدسيمتر أي عشر المتر يساوي عشرة آلاف متر فإذا أخذنا طول دسىمتر يعني عشر المتر ، وجعلناه على الورق فقيمته عشرة أجزاء متر ، فإذا قسمنا هذا الطول عشرة أجزاء تحصل لنا قيمة ألف ، فبعد القسمة إلى عشرة أجزاء تأخذ جزءا منها وتنقله في يسار القسم الأول وتقسمه أيضا إلى عشرة أجزاء تجد الجزء منها يساوي مائة متر ، وهذا القسم الأخير يسمى عقب المقياس تشبيها له بعقب الرجل ، ولا يحسب في العدد والنمرة إلا ليدل على الأعشار . ( في بيان قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ( 14 ) [ النّبإ : الآية 14 ] ) ( اعلم ) أن في المعصرات قولين : ( الأول ) : وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس وقول مجاهد ومقاتل والكلبي وقتادة : إنها الرياح التي تثير السحاب ، ودليله قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً [ الرّوم : الآية 48 ] . فإن قيل على هذا التأويل كان ينبغي أن يقال : وأنزلنا بالمعصرات . قلنا الجواب من وجهين : ( الأول ) : أن المطر إنما ينزل من السحاب ، والسحاب إنما يثيره الرياح فصح أن يقال : هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح ، كما يقال : هذا من فلان أي من جهته وسببه . ( الثاني ) : أن من هاهنا بمعنى الباء ، والتقدير وأنزلنا بالمعصرات أي بالرياح المثيرة للسحاب ، ويروى عن عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن الزبير وعكرمة أنهم قرؤوا ( وأنزلنا بالمعصرات ) وطعن الأزهري في هذا القول وقال : الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر ، وقد وصف اللّه تعالى المعصرات بالماء الثجاج ، وجوابه أن الأعصار ليست من رياح المطر فلم لا يجوز أن تكون المعصرات من رياح المطر . القول الثاني : وهو الرواية الثانية عن ابن عباس واختيار أبي العالية والربيع والضحاك أنها السحاب ، وذكروا في تسميته بالمعصرات وجوها : ( أحدها ) : قال المؤرج : المعصرات السحاب بلغة قريش . ( وثانيها ) : قال المازني يجوز أن تكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير ، فإن السحائب إذا عصرتها الأعاصير ، لا بد وأن ينزل المطر منها .